أجلس منسيا فوق كرسي بارد، في وسط حديقة عمومية، الكرسي من حديد، كان ليكون من الخشب، لكن السلطات تكره أن يأوي إليه المشردون في الليالي الباردة. وماذا يهم السلطات أن تؤلمني أوصالي من شدة برودة قضبان الكرسي الحديدية.

لا أحد يهتم، فوق رأسي يمر خيط رفيع، ينير غرفة ظهرت أمامي فجأة بعد أن زارني الليل. وخلال نافذتها العتيقة، كأني أشاهد لوحة في معرض فني مكيف، على بابه مضيفة بتنورة قصيرة وابتسامة مستوردة، إلا أنها كافية لجذب المارين أصحاب الدعوات الخاصة.

خيال الأميرة الموعودة من وراء ستار شفاف،  بشعر منسدل، ويدين تلوحان في الفراغ، تصنعان عالما منسوجا من ألحان عصافير المساء، وخيوط الضوء الصادر عن مصباح وصلته الطاقة عبر الخيط السالف ذكره.

اختفت اللوحة، وبقيت وحيدا، لست أشتكي، فأنا سعيد، رغم برودة الطقس، رغم الرياح القوية التي تعصف بكل من لا وزن له، حتى الطيور، توقفت عن التغريد، ونامت في صمت رهيب كئيب.

أن أكون قصيدة لا تنتهي

أن أبكي على حياة لم تبدأ

أن أمشي فوق رؤوس الرماح

قربانا لأرى لوحتي مجددا

وغنت ليلى لبكائي، فهدأت العاصفة، وأشرقت الشمس في عز الليل، وغردت العصافير، وفرح الموتى في المقبرة القريبة، بعفو صادر بالمناسبة.

فجأة، دوت في المكان صرخة قادمة من بعيد، مدرجة بالدماء، وثقوب الرصاص لا زالت تنزف، فنسيت دائي، وأقبلت اتجاه أولى القبلتين، فوجدتها مطأطأة الرأس، وصدرها مفتوح بخنجر غدار، سألتها كيف؟

فحكت لي قصة الغدار، الذي باغت شرفها، وباعه، ونام سعيدا بالثمن البخس. قلت لا يضرك من خذلك، فأنت منصورة بالكلمات الأولى، وجند السماء بين يديك، إن تأمريه، يغيبهم تحت النيل الأزرق، ويحي البحر الميت وحوشا تفتك بكل مصاصي الدماء العاضّين على جلدك.

 رفعت رأسها قليلا لتراني، ودون كلام، عبرت الصورة عن المراد، أنا منهم، وإن دعوت واستجيب لي، فسأكون أول من يغيبه النيل العظيم.

حاولت الهرب، لكني دائما أقع فريسة الضمير، وكيف لا.. فقد كتب في قدري المختوم بختم الأمن الداخلي، “مجنون” و “خطر على الأمن الروحي للبلد”.